العيني

249

عمدة القاري

الله عنهما ، قال : لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله ! كيف إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله تعالى : * ( وما كان الله ليضيع ايمانكم ) * ( البقرة : 143 ) ، وكذا أخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم في ( مستدركه ) . قوله : ( إنه ) أي : إن الشأن . قوله : ( مات ) فعل وفاعله . قوله ( رجال ) ، وقوله : ( على القبلة قبل أن تحول ) معترض بينهما ، وأراد بالقبلة بيت المقدس ، وهي القبلة المنسوخة ، و : أن ، مصدرية ، والتقدير : قبل التحويل إلى الكعبة ، والذين ماتوا على القبلة المنسوخة قبل تحويلها إلى الكعبة عشرة أنفس : ثمانية منهم من قريش : وهم عبد الله بن شهاب الزهري ، والمطلب بن أزهر الزهري ، والسكران بن عمر والعامري ، ماتوا بمكة . وحطاب ، بالمهملة ، ابن الحارث الجمحي ، وعمرو بن أمية الأسدي ، وعبد الله بن الحارث السهمي ، وعروة بن عبد العزى العدوي ، وعدي بن نضلة العدوي ، واثنان من الأنصار ، وهما : البراء بن معرور ، بالمهملات ، وأسعد بن زرارة ماتا بالمدينة ، فهؤلاء العشرة متفق عليهم . ومات أيضاً قبل التحويل : اياس بن معاذ الأشهلي ، لكنه مختلف في إسلامه . قوله : ( وقتلوا ) على صيغة المجهول ، عطف على قوله : ( مات رجال ) . فإن قلت : كيف يتصور إطلاق القتل على الميت ، لأن الذي يموت حتف أنفه لا يسمى مقتولا ؟ قلت : قال الكرماني : يحتمل أن يكون المقتولون نفس المائتين ، وفائدة ذكر القتل بيان كيفية موتهم إشعاراً بشرفهم ، واستبعاداً لضياع طاعتهم ، وأن العقل قرينة لكون الواو بمعنى : أو قلت : كلامه يشعر بقتل رجال قبل تحويل القبلة ، وهذا ليس بشيء ، لأنه لم يعرف قط في الأخبار أن الواحد من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة ، على أن هذه اللفظة ، اعني قوله : ( وقتلوا ) لا توجد غير رواية زهير بن معاوية ، وفي باقي الروايات كلها ذكر الموت فقط ، فيحتمل أن تكون هذه غير محفوظة . وقال بعضهم : فإن كانت هذه محفوظة ، فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ، ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك ، ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو : سويد بن الصامت ، فقد ذكر ابن إسحاق أنه لقي النبيَّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقاه الأنصار في العقبة ، فعرض عليه الإسلام ، فقال : إن هذا القول حسن ، وأتى المدينة فقتل بها في وقعة بعاث ، وكانت قبل الهجرة ، قال : فكان قومه يقولون : لقد قتل وهو مسلم ، فيحتمل أن يكون هو المراد . قلت : فيه نظر من وجوه . الأول : أن هذا حكم بالاحتمال فلا يصح . الثاني : قوله : لقلة الاعتتاء بالتاريخ إذ ذاك ليس كذلك ، فكيف اعتنوا بضبط أسماء العشرة الميتين ولم يعتنوا بضبط الذين قتلوا ، بل الاعتناء بالمقتولين أولى ، لأن لهم مزية على غيرهم . والثالث : أن الذي وجده في المغازي لا يصلح دليلاً لتصحيح اللفظة المذكورة من وجهين : أحدهما : أن هذا الرجل لم يتفق على إسلامه ، والآخر : أن هذا واحد ، وقوله : ( وقتلوا ) ، صيغة جمع تدل على أن المقتولين جماعة ، وأقلها ثلاثة أنفس . والرابع : من وجوه النظر أن وقعة بعاث كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية ، ولم يكن في ذلك الوقت اسلام ، فكيف يستدل بقتل الرجل المذكور في وقعة بعاث على أن قتله كان في وقت كون القبلة هو بيت المقدس ؟ وهذا ليس بصحيح ؟ وقال الصغاني : بعاث ، بالضم ، على ليلتين من المدينة ، ويوم بعاث يوم ، كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية ، ووقع في كتاب العين بالغين المعجمة والصواب بالعين المهملة لا غير ، ذكره في فصل الثاء المثلثة من كتاب الباء الموحدة . قوله : ( فلم يدر ) أي : فلم يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان طاعتهم ضائعة أم لا فأنزل الله الآية . 31 ( ( بابُ حُسْنِ إسْلاَمِ المَرْء ) ) اي : هذا باب في بيان حسن إسلام المرء ، والباب هنا مضاف قطعاً ، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أن الصلاة من الإيمان ، وهذا الباب فيه حسن إسلام المرء ، ولا يحسن إسلام المرء إلاَّ بإقامة الصلاة . وقال بعضهم في فوائد حديث الباب السابق : وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم ، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر ، كما صح من حديث البراء ايضاً ، فنزلت : * ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) * إلى قوله : * ( والله يحب المحسنين ) * ( المائدة : 93 ) وقوله تعالى : * ( انا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) * ( الكهف : 30 ) ولملاحظة هذا المعنى عقَّب المصنف هذا الباب بقوله : باب حسن إسلام المرء ، فانظر إلى هذا ، هل ترى له تناسباً لوجه المناسبة بين البابين ؟ وقال بعض الشارحين : ومناسبة التبويب زيادة الحسن على الإسلام واختلاف أحواله بالنسبة إلى الأعمال ، قلت : هذا أيضاً قريب من الأول .